تواجه شركة هوندا أسوأ فترة في تاريخها منذ إدراجها في البورصة قبل ما يقرب من 70 عامًا. وفي السنة المالية 2026 (من أبريل 2025 إلى مارس 2026)، سجّلت الشركة خسارة صافية قدرها 423.9 مليار ين ياباني (ما يعادل نحو 18.2 مليار يوان صيني)، وهي أول خسارة سنوية في تاريخها — بينما بلغ صافي ربحها في السنة المالية السابقة 835.8 مليار ين ياباني.

ضغوط جماعية من كبار الموظفين، ورفض الرئيس التنفيذي التنازل عن منصبه
وبعد إعلان النتائج المالية في أبريل من هذا العام، اندلعت عاصفة داخلية نادرة بسرعةٍ كبيرة. وظهر كازوهيكو كاواشيتا، الرئيس التنفيذي السابق لهوندا، البالغ من العمر 90 عامًا، شخصيًّا في المقر الرئيسي في طوكيو، وطالب الرئيس التنفيذي الحالي توشيهيرو سانبو صراحةً بالاستقالة لأسباب تتعلق بالمسؤولية. وهذه الخطوة لم تكن منفردة — فقد بدأ عددٌ من كبار المسؤولين المتقاعدين، منذ نهاية العام الماضي، في التنسيق سرًّا ضد سانبو، ووجّهوا انتقادات حادة لثلاثة أخطاء استراتيجية رئيسية ارتكبها: الإهمال الشديد للسوق الصيني، والمغامرة غير المدروسة في الاستراتيجية الكهربائية، والتركيز المفرط على رعاية رياضة الغولف وغيرها من المجالات غير الأساسية على حساب الاستثمار في تطوير المنتجات.
ورغم إعلان سانبو خفض راتبه بنسبة 30% لإظهار تحمله المسؤولية، فإنه لم يُعلن حتى الآن عن استقالته أو أي تعديل استراتيجي جذري، وما زال يحتفظ بمنصبه كرئيس تنفيذي.
الانعكاس السلبي للتحول الكهربائي المفرط: من 30 طرازًا كهربائيًّا إلى الانسحاب الكامل
إن انهيار هوندا لا يعود إلى بطء التحوّل، بل إلى سرعة خطواتها المفرطة وانفراديّتها. ففي عام 2021، أصبحت هوندا أول شركة يابانية تعلن عن «إيقاف بيع السيارات التي تعمل بالوقود تمامًا بحلول عام 2040»، وخططت لاستثمار 10 تريليون ين ياباني بحلول عام 2030، وإطلاق 30 طرازًا كهربائيًّا، وبناء نظام عالمي للسيارات الكهربائية بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ مليوني سيارة، بل ووقّعت اتفاقية استثمار تجاوزت قيمتها 11 مليار دولار أمريكي لمصنع سيارات كهربائية في كندا.
أما الواقع فكان قاسيًّا للغاية: فقد ألغي هدف إيقاف بيع السيارات التي تعمل بالوقود بحلول عام 2026؛ وأُوقف إطلاق جميع طرازات «سلسلة 0» الكهربائية في أمريكا الشمالية؛ وتوقف مشروع سيارة أكورد RSX الكهربائية الرياضية؛ وتعرقل تقدم العلامة التجارية المشتركة مع سوني «أفيليا» (Afeela)؛ وتجمّدت أعمال بناء المصنع الكندي. وبلغ مجموع الخسائر الناتجة عن تخفيض قيمة الأصول، والتخلّص من المعدات، وتعويضات التأخير أكثر من 2.5 تريليون ين ياباني (أكثر من 100 مليار يوان صيني)، ما أدى مباشرةً إلى انهيار النتائج المالية.

انهيار السوق الصيني: تراجع دراماتيكي في المبيعات خلال خمس سنوات
ويكتسب انهيار هوندا في السوق الصيني دلالة رمزية أكبر. ففي عام 2020، بلغت ذروة مبيعاتها 1.6269 مليون وحدة، وبنسبة حصة سوقية تقارب 8%؛ ثم بدأت بالتراجع تدريجيًّا: 1.56 مليون في 2021، و1.37 مليون في 2022، و1.23 مليون في 2023، و850 ألفًا في 2024، و640 ألف وحدة فقط في 2025 — أي انخفاض تراكمي يقترب من المليون وحدة خلال خمس سنوات، وبمعدل تراجع يتجاوز 60%. وفي أبريل 2026، انخفضت مبيعاتها الشهرية بنسبة 48% مقارنة بالعام السابق، وفي مايو اقتربت من الانقسام النصفى، حيث لم تتجاوز 30 ألف وحدة شهريًّا، وهي أقل من مبيعات العديد من الشركات الصينية الناشئة في مجال صناعة السيارات.
وتراجعت مبيعات أكورد وسيتي وفيدو بشكل شامل، بينما ظلّ طراز CR-V وحده قادرًا على الحفاظ على مبيعات شهرية تجاوزت 10 آلاف وحدة. أما طرازا P7 وS7 الكهربائيان المحليان، فلم يحققا معًا سوى بضعة آلاف من الوحدات خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
والسبب الجذري يكمن في الخطأ الاستراتيجي: فبينما أعادت شركات مثل بي واي دي وهواوي وشياومي تشكيل قيمة العميل عبر أنظمة التحكم الذكية في المقصورة، والقيادة الذاتية المتقدمة (NOA)، وتحديثات البرمجيات عبر الإنترنت (OTA) المتكررة، ظلت هوندا متمسكةً بمنطق المحركات التي تعمل بالوقود القائم على «الاقتصاد في استهلاك الوقود + المتانة + القيمة التحفظية». والأهم من ذلك أن نموذجها البحثي القائم على «الهيمنة من المقر الياباني واعتماد الشركات المشتركة في التوريد» قد فشل تمامًا أمام سرعة التطور في قطاع الطاقة الجديدة بالصين — إذ تستغرق عملية تطوير سيارة كهربائية ثلاث سنوات، لتخرج إلى السوق وقد سبقتها المنافسة بجيلين من المنتجات.

التحول المتأخر: التخلي عن المنصات الداخلية، واستيراد طرازات صينية عكسياً
ولم تُعلن هوندا رسميًّا عن تحولها الاستراتيجي إلا في مؤتمرها العالمي الاستراتيجي في مايو 2026: حيث قررت التخلي عن منصتها الكهربائية الداخلية، والاعتماد بدلًا منها على المنصات الكهربائية والهجينة التي طورتها شركتا جي إيه إم ودوونغ فنغ، على أن تبدأ إنتاج أول طرازين تعاونيين في عام 2028. وأكثر ما يحمل رمزيةً هو قرار استيراد طراز «لي غوانغ إي إن إس 2» من هوندا دوونغ فنغ (الذي يُسمّى في اليابان «إنسايت») عكسياً إلى السوق اليابانية المحلية — وهي المرة الأولى التي تُصدّر فيها شركة يابانية طرازًا مصنوعًا في الصين إلى بلادها الأم.
وصرّح مصدر مقرب من هوندا قائلاً: «لقد دخلت الصين عصر الهواتف الذكية، أما نحن فلا نزال نستخدم الهواتف المحمولة ذات الغطاء القابل للطي». فهل ينجح هذا التحوّل المتأخر في إنقاذ الشركة؟ الوقت نفسه أصبح أثمن ما تملكه هوندا.
التعليقات
0 تعليقلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
نشر تعليق