خلال الخمس سنوات الماضية، تسارعت وتيرة دخول شركات صناعة السيارات الصينية إلى السوق الأوروبية، ما أدى إلى إعادة تشكيل هيكل قطاع السيارات المحلي بشكل عميق. ووفقاً لإحصائيات شركة داتافورس، بلغت حصة العلامات الصينية في دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة حتى يونيو ٢٠٢٦ ما نسبته ٩,٥٪، محققةً نمواً طفرياً مقارنةً بنسبة ٠,٥٪ المسجَّلة عام ٢٠٢١. وفي الفترة نفسها، سجَّل السوق الأوروبي الكلي نمواً بنسبة ١١٪ فقط، بينما حققت جميع العلامات غير الصينية ارتفاعاً طفيفاً في المبيعات، لكنها عانت في المقابل من انكماش في حصتها السوقية.
وهذا التوسع لا يعتمد على سياسة الإغراق بأسعار منخفضة — فحتى مع فرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية مضادة للإعانات على السيارات الكهربائية تصل إلى ٣٥٪ كحد أقصى، ما زالت العلامات الصينية تدخل شرائح السوق الرئيسية بتقديم مواصفات مماثلة أو أفضل، ومساحات داخلية أكبر، وأسعار أكثر تنافسية. وفي الآونة الأخيرة، أطلقت عدة شركات صينية عروض خصم تصل إلى خمسة أرقام باليورو في أسواق رئيسية مثل ألمانيا، كما بدأت تجربة خدمات التأجير القصيرة الأجل، مما يوسع نطاق نقاط الاتصال مع العملاء.
ويظهر فقدان الحصة السوقية تفاوتاً واضحاً: فشركة ستيلانتيس المجموعة كانت الخاسر الأكبر، حيث تراجعت حصتها السوقية ٦,٤ نقطة مئوية، أي ما يعادل خسارة نحو ٣١٠ آلاف وحدة مباعة. ويعود ذلك إلى تراكم المخزون، وتقادم خطوط إنتاجها الكهربائية، وارتفاع أسعار منتجاتها عن متوسط السوق، ما يجعلها هشةً أمام المنافسة الصينية المتقدمة تكنولوجياً والأقل تكلفةً — ومن الجدير بالذكر أن شريكها في المشروع المشترك Leapmotor سجَّل نمواً في المبيعات الأوروبية بنسبة ٥٦٨٪ على أساس سنوي.
كما لم تسلم الشركات العملاقة التقليدية الأخرى من التأثر: فمجموعة Mercedes-Benz تراجعت حصتها السوقية ٠,٧ نقطة مئوية، ومجموعة Volkswagen انخفضت حصتها ٠,٦ نقطة، أما التحالف المشترك Hyundai/Kia فتراجع بنسبة طفيفة بلغت ٠,٤ نقطة — رغم ارتفاع مبيعاته الطفيف.
وأشار محلل بنك يو بي إس باتريك هوميل خلال إيجاز إعلامي عُقد في ٩ يوليو قائلاً: «بلغت حصة العلامات الصينية في السوق الأوروبية ١١٪ (ملاحظة: وتشمل هذه النسبة قنوات الاستيراد الموازية والقنوات الرمادية التي لم تُحتسب ضمن إحصائيات داتافورس)، مسجلةً قفزة كبيرة مقارنةً بنسبة ٤٪ العام الماضي. وهذا لا يقتصر على تقليص مساحة المبيعات لدى الشركات التقليدية فحسب، بل يعيد أيضاً تشكيل نظام التسعير والترويج في السوق بأكمله.»
وتتركز الهجمة الحالية للعلامات الصينية على المملكة المتحدة وجنوب أوروبا (إسبانيا وإيطاليا)، لكن سوق ألمانيا تم تحديدها رسمياً كهدف رئيسي تالي. ويؤكد هوميل بصراحة: «هذه ليست إشارة إيجابية على الإطلاق بالنسبة لحصة Volkswagen السوقية وقدرتها التسعيرية.»
ويتسارع توافق التوقعات في القطاع نحو رفع التقديرات: إذ ذكر مارتن بينيك، مدير شركة إس آند بي غلوبال موبايلتي، أن هدف الحصة السوقية البالغ ٢٠٪ الذي كان مُقدَّراً سابقاً أصبح يبدو متحفظاً الآن، «بل إننا نميل اليوم إلى وضع أرقام أعلى — لماذا يجب أن تتوقف عند خُمس السوق؟». كما صرح بول ويليس، المدير السابق لشركة Volkswagen في المملكة المتحدة، بصراحة أكبر: «من المحتمل أن تصل العلامات الصينية في نهاية المطاف إلى ثلث المبيعات الأوروبية.»
وفي حال فشل الاتحاد الأوروبي في إقرار تشريعات تدخلية قوية مثل «قانون تسريع الصناعة» (الذي قد يفرض مثلاً نسبة عالية جداً من المكونات المحلية)، فقد تضطر شركات السيارات الأوروبية التابعة لعلامة Volkswagen إلى إغلاق مصانعها والانسحاب من السوق. ويؤكد هوميل: «إن حرب الأسعار القاسية القادمة من الصين ليست صدمة تدريجية، بل هي واقعٌ يحدث الآن — شهراً بعد شهر، وربعاً بعد ربع.»
أما العلامات الفاخرة فتتمتع حتى الآن بمرونة أكبر نسبياً. فشركة BMW وMercedes-Benz وAudi تواجه ضغوطاً محدودة في المدى القريب، بسبب انخفاض درجة التداخل في توجه منتجاتها، والمزايا الواضحة في قيمة إعادة البيع. وعلى الرغم من إصدار شركة BMW تحذيراً بشأن الأرباح في يونيو ٢٠٢٦ نتيجة ضعف أدائها في السوق الصيني، فإن مبيعاتها في أوروبا ارتفعت عكسياً بنسبة ١٣,٣٪، لتكون الشركة الوحيدة الكبرى التقليدية التي تفوَّقت على أداء السوق في ذلك الشهر.
ومع ذلك، فإن العلامات الصينية تشق طريقها بهدوء نحو قطاع الفئة الفاخرة: فشركة GEELY أطلقت علامتها الفرعية Zeekr، وشركة BYD أطلقت FANG CHENG BAO، وشركة Dongfeng أطلقت VOYAH، وشركة Chery أطلقت EXEED. ويقول هوميل في هذا السياق: «إن التسلل البطيء للعلامات الصينية نحو الفئة الفاخرة سيستمر لعدة سنوات، لكن الاتجاه لا رجعة فيه.»
التعليقات
0 تعليقلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
نشر تعليق