انكماش كبير في قطاع السيارات الألماني: تواجه Volkswagen صعوبات في خطة تسريح الموظفين، وتتجه الصناعة بأكملها نحو «التقشف من أجل البقاء»

كان قطاع السيارات الألماني، الذي كان يُعرف بتصنيعه الدقيق وتوسعه العالمي، يمر حاليًّا بانحسارٍ هادئٍ لكنه عميق. ففي مواجهة ضعف الطلب الأوروبي المستمر، وتكاليف التحول المرتفعة، والضربات المتزايدة من العلامات الصينية، والضغوط الجيوسياسية على الصادرات، بدأت شركات مثل Volkswagen وكونتيننتال وزي إف وبوش في تنفيذ عمليات انكماش هيكلية واسعة النطاق — ليست تعديلات دورية، بل إنها وداع رسمي لـ«العصر الذهبي».

خطة Volkswagen «المستقبلية»: أهداف طموحة، وتنفيذ غامض

في ٩ يوليو، واجه مجلس الإشراف في مجموعة Volkswagen حالة جمود بشأن الخطة الجريئة التي قدّمها المدير التنفيذي أوليفر برووم لإغلاق أربعة مصانع وتسريح ٥٠ ألف موظف. ونتيجة للمعارضة القوية من النقابات، لم تُعتمد هذه الخطة. وبديلاً عنها، تم اعتماد خطة بديلة تحمل اسم «خطة المستقبل»: تقليص عدد طرازات المجموعة بنسبة تصل إلى ٥٠٪، وتخفيض درجة تعقيد المنتجات بنسبة تصل إلى ٧٥٪، وخفض الطاقة الإنتاجية السنوية من ١٠ ملايين مركبة حاليًّا إلى نحو ٩ ملايين مركبة، مع تبسيط الهيكل الإداري والتخلّي عن المنصات التقنية المتكررة.

وتشير التحليلات إلى أن هذه الخطة، رغم وضوح اتجاهها، تفتقر إلى المسارات التنفيذية المحددة والجداول الزمنية الدقيقة. ويقول ستيفان رايتمن، المحلل لدى شركة بيرنشتاين بصراحة: «إن المستثمرين يسمعون فقط خطاباتٍ طموحة، لكنهم لا يرون أي نتائج ملموسة (Where's the beef؟)، ما يثير شكوكًا جادة حول قدرتها على التنفيذ.»

تسارع الانكماش القطاعي: فقدان أكثر من ١٢٠ ألف وظيفة خلال عامين

وتشير تقرير شركة إرنست آند يونغ الصادر في مايو إلى أن قطاع السيارات الألماني فقد منذ عام ٢٠١٩ ما مجموعه ١٢٥٬٨٠٠ وظيفة، ليتراجع إجمالي عدد العاملين فيه إلى نحو ٧٢٥٬٠٠٠ شخص، أي بنسبة انخفاض بلغت ١٥٪؛ حيث تركزت أغلب هذه الخسائر في العام الماضي وحده، إذ فقد القطاع أكثر من ٣٢٬٠٠٠ وظيفة، مما يدل على تسارع واضح في وتيرة الانكماش. وهذه الظاهرة كسرت التقاليد الألمانية الراسخة التي حافظت لعقود على استقرار عدد العاملين في القطاع عند أكثر من ٨٠٠٬٠٠٠ شخص، ما يشير إلى أن نقطة التحوّل الهيكلية قد وصلت بالفعل.

انسحاب الموردين بالتوازي: العودة من «المجموعات التكنولوجية» إلى التخصص الأساسي

ولم يقتصر موجة الانكماش على مصنّعي المركبات الكاملة. فشركة كونتيننتال تُعيد تشكيل هيكلها التنظيمي بشكل منهجي عبر التخلّي عن أقسامها الإلكترونية للسيارات، وببيع قسم ContiTech الصناعي، لتتركّز على نشاطها الرئيسي عالي الربحية المتمثّل في إنتاج الإطارات. أما شركة زي إف فريدريشسهافن فتقوم بأكبر عملية إعادة هيكلة في تاريخها بسبب أعباء الديون الناتجة عن عمليات الاستحواذ، وانخفاض الطلب المتوقع على المركبات الكهربائية، ما دفعها إلى تسريح عدد كبير من الموظفين وبيع أصولها. وفي الوقت نفسه، استقال ستيفان هاتون، الرئيس التنفيذي لشركة بوش، بشكل غير متوقع، وهو ما يعكس بوضوح قلق أكبر مورد عالمي للسيارات إزاء بقائه واستدامته، خاصةً بعد إطلاقه لخطة تسريح تشمل ١٣٬٠٠٠ موظف.

تداخل الضغوط المتعددة: صعود الصين، وحواجز أوروبا وأمريكا، وأعباء التحول

ويُعزى هذا الانكماش إلى عوامل متعددة وليس سببًا وحيدًا. فمن جهة، تحول السوق الصيني من «أكبر مصدر للأرباح» إلى «أكبر مصدر للضغوط»: فقد انخفضت مبيعات Mercedes-Benz في الصين بنسبة ٢٨٪ في الربع الثاني، بينما تراجعت مبيعات BMW في نفس الفترة بنسبة ٣٠٪. ومن جهة أخرى، أدّت التعريفات الجمركية الأمريكية إلى رفع تكاليف التصدير، في حين لم يتعافَ السوق الأوروبي المحلي بعدُ ليصل إلى مستويات ما قبل الجائحة. والأهم من ذلك أن شركات صناعة السيارات مضطرة لمواصلة الاستثمار في صيانة محركات الاحتراق الداخلي، وفي الوقت نفسه، إنفاق مبالغ ضخمة سنويًّا على التحول نحو الكهرباء والبرمجيات والذكاء الاصطناعي — وهي أعباء مزدوجة لا يمكن الاستمرار في تحملها.

وفي الوقت ذاته، توسّع العلامات الصينية في أوروبا بسرعة، مستفيدةً من كثافة تقنياتها وميزتها السعرية. وتوقّعت شركة عليكس بارتنرز أن حصة العلامات الصينية من مبيعات السيارات في أوروبا بلغت بالفعل قرابة ١٠٪، وقد تتجاوز ١٦٪ بحلول عام ٢٠٣٠؛ كما أظهر استطلاعها أن تفضيل الشباب الألماني للعلامات الصينية بدأ يتفوّق تدريجيًّا على تفضيله للعلامات المحلية.

التعليقات

0 تعليق

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

نشر تعليق